محمد حسين علي الصغير
80
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
بالاستجلاء لأحكام الجملة في التراكيب ، وإن بقيت الكلمات على حقيقتها اللغوية دون تجوز . وإليه يميل الزركشي ( ت : 794 ه ) بعده المجاز العقلي هو الذي يتكلّم به أهل الصنعة بقوله عنه : « وهو أن تستند الكلمة إلى غير ما هي له أصالة لضرب من التأول ، وهو الذي يتكلم به أهل اللسان » « 1 » . وقد كان عبد القاهر - كما سنرى فيما بعد - قد أولى هذا النوع من المجاز عناية فائقة ، واعتبره كنزا من كنوز البلاغة ، وهو مادة الإبداع عند الكاتب والشاعر ، وسبيل الاتساع في طرق البيان ، قال : « وهذا الضرب من المجاز على جدته كنز من كنوز البلاغة ، ومادة الشاعر المفلق ، والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان ، والاتساع في طرق البيان ، وأن يجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا ، وأن يضعه بعيد المرام ، قريبا من الإفهام » « 2 » . وليس ملزما لأحد ما ذهب إليه بعضهم من أن المجاز العقلي من مباحث علم الكلام ، وأولى أن يضم إليه ، لأنه كما اتضح من تفصيلات عبد القاهر ، وإشارات القزويني ، يعد كنزا من كنوز البلاغة ، وذخرا يعمد إليه الكاتب البليغ والشاعر المفلق والخطيب المصقع ، وليس أدل على ذلك من أن القدماء استعملوه في كلامهم ، وأن القرآن الكريم حفل بألوان شتى منه ، وأن البلاغيين والنقاد أشاروا إليه وذكروا أمثلته ، وإن لم يطلق عليه الاسم إلا مؤخرا على يد عبد القاهر . وهذا كله يدلّ على أن المجاز العقلي لون من ألوان التعبير ، وأسلوب من أساليب التفنن في القول ، ولا يخرجه من البلاغة إفساد المتأخرين له ، وإدخال مباحث المتكلمين فيه عند تعرضهم للفاعل الحقيقي « 3 » . وقد كان سعد الدين التفتازاني ( ت : 791 ه ) موضوعيا حينما ردّ القزويني لإدخاله المجاز العقلي في مباحث علم المعاني فقال : « لأن علم المعاني إنما يبحث عن الأحوال المذكورة من حيث أنها يطابق بها اللفظ مقتضى الحال . وظاهر أن البحث في الحقيقة والمجاز العقليين ليس من
--> ( 1 ) الزركشي ، البرهان : 2 / 256 . ( 2 ) عبد القاهر ، دلائل الإعجاز : 295 تحقيق : محمود محمد شاكر . ( 3 ) أحمد مطلوب ، فنون بلاغية : 109 .